فوزي آل سيف

50

معارف قرآنية

وتضادهما مع معطيات العلم والعقل لم يكن في القرآن ) وهذا الامر كان خاصاً في كتب التوراة والإنجيل وقد حصل التحريف فيهما، فالكتاب الموجود الآن ليس الكتاب الذي أنزل على موسى عليه السلام وإنما حدث فيه التحريف. قام مفكرون عرب ومسلمون بنقل هذه الحالة ونسخها إلى الحالة الإسلامية والمجتمع الإسلامي، فكما طبق المجتمع الغربي مناهج على الكتاب المقدس وبينوا انه يوجد فيه خلل، حاول هؤلاء المفكرون تطبيق نفس هذه المناهج على القرآن الكريم، فأصبح لدينا تيار في المجتمع العربي والمسلم، تارة ما يعبر عنه بالحداثيين وتارة يعبر عنه بالعصرانيين وثالثة بالعلمانيين. ليس مهماً البحث عن أسمائهم ولا عنوانهم ( فقد يقول قائل أنا حداثي ولا أؤمن بهذا أو علماني ولا أرى ذلك .. )وإنما الكلام هو حول الأفكار التي يذكرونها ويطرحونها بغض النظر عما إذا كان العنوان ينطبق بشكل كامل على هذه الأفكار تماما أو ينطبق على بعضها . ما قام به هؤلاء هو صياغة كلام المستشرقين بصورة أهدأ وأقل عنفاً، لان بعض المستشرقين صريحون بقولهم أن القرآن ليس وحياً من السماء وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن صادقاً في ذلك، وهذا الكلام يشكل صدمة للإنسان المسلم وقد لا يقبله، لذا قام هؤلاء بتغيير الصياغة والشكل وإن كانت المادة الأساسية تنهل من نفس النبع وتحدثوا عن ثلاثة عناوين: العنوان الأول: التجديد في فكرة الوحي العنوان الثاني: بشرية النص القرآني العنوان الثالث: تاريخية النص القرآني فلو لاحظنا بأنهم لا يصفون القرآن بأنه كلام الله عز وجل وإنما يعتبرونه نصاً من النصوص وله مناهج وبرامج لمحاكمته. فعندما نأتي للعنوان الأول وهو التجديد في فكرة الوحي: فقد قالوا أن الفكرة الموجودة عند المسلمين بأن الوحي عبارة عن كلام من الله عز وجل قد أعطاه لجبرئيل ونزل من السماء إلى الأرض حاملاً إياه لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قالوا أن هذه الفكرة هي فكرة قديمة وغير صحيحة وعندما تريد الامة أن تمسك بشروط النهضة فلابد أن تغير نظرتها في قضية الوحي. الفكرة الصحيحة عندهم بأنه لا يوجد شيء يسمى جبرئيل وأنه ينزل من السماء ولا يوجد كلام من الله للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وإنما النبي يبتكره ويبدعه من تلقاء نفسه، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم كالشاعر عندما يمر بمنظر طبيعي ويستثير فيه أحاسيس معينة فتنبعث قريحته في شكل قصيدة. فهم يرون " بأن هناك رؤيتين مختلفتين للوحي: الأولى: الرؤية التقليدية السطحية التي تتعامل مع الوحي على أنه حقيقة خارجة عن الواقع ومتعالية عليه، وأنها نازلة من السماء إلى الأرض! والثانية: الرؤية الحداثية الواعية العميقة التي تنظر إلى الوحي نظرة مختلفة عن تلك النظرة البدائية، وتفسره تفسيراً يتناسب مع متغيرات التاريخ والثقافة ... فمنهم من يجعل الوحي عبارة عن حالة يعيشها النبي تفيض عليه من خلالها المعاني الدفينة التي كان يعيشها في حياته، فالوحي عند أحدهم «حالة استثنائية يغيب فيها الوعي، وتتعطل الملكات، ليبرز المخزون المدفون في أعماق اللا وعي بقوة خارقة لا يقدر النبي على دفعها ولا تتحكم فيها إرادته!»[89].

--> 89 ) من مقال لسلطان العميري في مجلة البيان العدد 318 صفر 1435هـ نقل فيه بعض أقوالهم من مصادرها .